الثلاثاء، 18 فبراير 2014

أنسي الحاج نهاية الصمت فبراير تنفيذ وصية٢٠١٤

http://www.alghawoon.com/mag/art.php?id=137
كان هو القائل:«المفروض في شاعر حيال موت عزيز عليه، واحد من موقفين: العجز عن الكلام، أو الموت فوق الميت» لذلك هذا تعبير عن العجز
عن الكلام وهنا نص مستعاد عن صمت أنسي:

مؤسسة الغاوون الثقافية

(شاعر عُماني مواليد مسقط 1975، وقّع كتاباته السابقة باسم «إبراهيم الحجري»، له: «معمار الماء»، دار شرقيات 2006)
أكثر ما يُثير النقد اليوم في أنسي الحاج ليس ما قاله، بل ما سيقوله، هكذا تدور نقاشات عدّة - نُشرت أم لم تُنشر - حول أنسي الآن، بالأحرى حول شعر أنسي الآن: هل ننتظر جديداً يضيفه إلى شعره، وهل ثمة جديد حقاً؟ قارئ أنسي الحاج المبهور به منذ «لن»، أي منذ أربعة عقود من الزمن، وهذا هو العقد الخامس؛ يريد هذا القارئ منه أن يعرض روحه الشعرية عاريةً من جديد، لكن أنسي توقّف منذ 1975، بالتحديد منذ ما جاءت الرسولة وامتدّ شَعرُها وغطّى الينابيع، ولم يعد الوصول إلى الينبوع ممكناً لطول شَعر الرسولة، لكن قارئ الشعر لا يصدّق أن الشاعر لا يملك حيلة الشِّعر أمام شَعر الرسولة.
سؤال القارئ بسيط هو: ما آخر قصائد الشاعر؟ سؤال مشروع جداً يقابلنا أينما وجدنا أنسيّاً، لكنه للأسف بلا إجابة. الإجابة موجودة لدى أنسي الحاج في مكان ما بين قلمه وأوراقه، أو في مكان بين أدراج مكتبه والمقالات التي يكتبها في جريدة «الأخبار» («خواتم 3»): أنسي الحاج ما يزال يكتب، يكتب الـ«خواتم»، لكن لماذا الـ«خواتم» من جديد؟ نص «خواتم» شذرات فكرية ونقدية وجمالية، شذرات تأمّلية إلى الدرجة التي يتمنى فيها نزار قباني خاتماً من «خواتمـ»ـه، لكن نزار قباني ليس شاعر قصيدة نثر! إذاً فموقع «خواتم 1 و2» هو موقع خارج قصيدة النثر؛ إنه في النثر بلا قصيدة. أيضاً، تكريم أنسي الرائد هو تكريم للماضي، والدواوين الأولى يتيمة الآن، وهذا اليتم يتحقق عندما يُعنون أنسي الحاضر مقالاته في جريدة «الأخبار» بـ«خواتم 3». هي «خواتم» إذاً للمرّة الثالثة وليست «لن» ولا «الرسولة... » ولا «ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة» ولا «ماضي الأيام الآتية»، ولا «الرأس المقطوع»... أنسي يُحاول أن يكتب/ يختم منذ التسعينيات، ولا يزال يحاولُ الكتابة/ الختام، لكن الختام لم يَحِن بعد. تخلّفَ أنسي عن موته كما سيستشهد، مكرِّراً، رغم أنه يرغب في الختام، في الـ«خواتم»، وفي مصلحة الخواتيم.
إذا كان أنسي حقاً يريد التوقف من عنوان «خواتم1»، فهل نستطيع أن نستنبط دلالة نصّيّة من ذلك، أو حتى من النصّ الآتي: «لا حاجة إلى الحضّ على الشعر فالأكثرية تميل إليه. لا ننفّس بالشعر ما نعمّره في الرواية... أعطى الشعراء الشعرَ حرّيته، لتعطِنا الرواية حرّيتنا!» («خواتم 3»، جريدة «الأخبار» 10 آذار 2007).
هل يفكّر أنسي في كتابة رواية، سيرة ذاتية، «كلمات كلمات كلمات»، أم لا؟ الحرية تُطلب الآن من الرواية لا من الشعر، لأن الشعر أُعطي حرّيته، كما كتب أنسي الشاعر، وكما سيكتب طالباً من الرواية أن تعطينا حريتنا. هل فعلاً تستطيع الرواية أن تعطينا حرّيتنا؛ حرّيتنا المستحيلة؟
يصمت أنسي الحاج عن الشعر، لكنه يكتب عن الشعر، يصمت/ يكتب، وعن الصمت يقول: «المفروض في شاعر حيال موت عزيز عليه، واحد من موقفين: العجز عن الكلام، أو الموت فوق الميت» («خواتم 3»، جريدة «الأخبار» 10 آذار 2007). الموت هو موت كلام الشاعر أي الصمت، والعجز عن الكلام هو الصمت أو موت الكلام إن شئنا، في حين أننا معنيّون بالشاعر بسبب شعره، أي بسبب حياة الكلام، لأن أهمية الشاعر تأتي من حياة الكلام الشعري لا من وجوده بلا كلام ولا نصّ، الشاعر يثبت هويّته من طريق اللغة، ولا سبيل إلى امتناعه عن النطق. طلب الصمت مستحيل على الشاعر، لأن كُتُب كافكا وابن رشد لم تحترق. إذا كان الشاعر في قدرٍ شعريّ يجعله لا يكترث بالقارئ فإن الكتابة عن النصّ لا تستطيع ألا تكترث بالقارئ، لأن مكانها بالتحديد بين القارئ والنصّ، والشاعر حين يدعو إلى وليمة الصمت فإنه يدعو إلى موت الذات الشعرية أمام موت العزيز، هل تلك هي حقاً، وهل سيصمت أنسي أمام موت العزيز، أم أنها الدعوة التي هي الأمنية؛ أمنية الصمت؟
أنسي الحاج في الحقيقة صامت عن الشعر منذ العام 1975، وإن شئنا صورةً شعريةً فلنقل إنه يكتب صمت الشعر منذ العام 1975. كبر صمتُ شعر أنسي وصار شاباً، وأمام الصمت لا نستطيع شيئاً. لا يمكن الجزم بشيء أمام الصمت حتى يتكلّم. كلّ فرضية قد تكون خاطئة أمام الصمت. رغم ذلك فالصمت إجابة مفترضة.
«خواتم» رغم جمالها وقوّتها لم تستطع أن تُغلق الستارة لأن «خواتم» ليست صمتاً، لذلك يَعْلَقُ حبل الستارة في السماء ويستعصي. المتفرّجون ينتظرون منذ أمد طويل ولم يملّوا الانتظار. الانتظار واضح في كلمات من يكتبون عن أنسي الحاج أو في المؤتمرات التي تكرّمه، وحتى في هذا العدد من مجلة «نقد». الجميع ينتظر والانتظار طال، حتى لربما قد يبدو الرهان خاسراً، لكن الرهان الذي يبدو على وشك الخسارة هو الرهان الفنّي الذي يشدّنا أكثر، لأن المتفرّجين - وفي هذه الحالة القرّاء - يستمتعون بأن يروا الرهان خاسراً تماماً وينتصر في النهاية. أنسي الشاعر يعلم لربما أن هذا الاحتفاء كلّه هو رغبة في سماع جديد، والرغبة في الجديد هي رغبة في أن يدوم الشاعر. إنها الرغبة الملحّة في ديمومة الشعر. الجميع ينتظر، ومقالات أنسي في جريدة «الأخبار» لن تشفي التعطّش إلى ديوان آخر، إلى «لن» أخرى حتى لو جاءت بشكل «لم» أو «لا» أو «نعم». ثمة جزء ناقص من قصيدة أنسي هو الآن. قصيدة أنسي أنجزت صعودها: ماضي كلامها، لكنها لم تقل كلمتها كلّها عن الآن، بقيت كلمة شعرية، وطول الانتظار يجعلها أثمن وأغلى وأشهى، لكن متى تأتي تلك الكلمة حقاً، أو هل ستأتي؟
تحاول الكتابات عن أنسي الحاج أن تمارس ضغطاً على الشاعر كي ينفجر، الجميع يتعمّدون إشعال الشرر. أنسي لا يستطيع الهدوء بعد الآن، لا الخاتمة الهادئة ممكنة، ولا الصمت الطويل ممكن. أنسي «محروم» من موت الكلام. شعوب الحنان تحاصره. عليه أن يتكلّم أمام موت الشخص العزيز على الشاعر. مأزق حقيقي انخرطنا فيه جميعاً في وصفنا قرأنا أنسي الحاج. اللعنة هذه المرّة تلاحق القرّاء. اللعنة لم تختفِ؛ إنها الآن تلاحقُ الشاعر والقرّاء معاً.
في الما بين، بين الشاعر وقرّائه، يتأكّد جمال الشعر المستحيل تعويضه بآخر. الشعر هو المطلوب في ما بين الشاعر وقرّائه وليس شيئاً آخر. الشعر ذاته. وفي الما بين يتمّ التأكيد على أن قرّاء الشعر هؤلاء لم يكتفوا بما قيل سابقاً، ولا بـ«خواتم» ولا «الوليمة»، الشهوة تلتهب من أجل شعر جديد، من أجل ظهور نصّ الصمت الشعريّ الطويل، من أجل الانشغال الأساسي والآخر الذي ليس هو الانشغال برئاسة تحرير «النهار» («الوطن الأمثل، المحراب المقدّس، حلم ومنبر ونبراس وقلعة»، الاستقالة)، ولا بكتابة المقالات في «الأخبار»، لأن أنسي الحاج ليس بكاتب مقال بل هو شاعر، وهناك مكمن السحر كلّه. ومن أنسي لا ننتظر المقال بل القول. لا ننتظر المقالة بل المقولة، والشاعر ليس بئراً لينضب.

مجلة «نقد» الفصلية، العدد 5، كانون الثاني 2008

الجمعة، 7 فبراير 2014

الحمْدي الأعمى الشعري من يدلّ من؟

الحَمْديّ الأعمى الشعري، من يدل من؟


هل يستطيع الأعمى أن يصل إلى النور؟ هل بإمكانه رؤية النور؟ كيف تتقاطع حياته مع من يأخذون بيده ليدلوه الطريق؟ ومن يدل من؟!
تلك بعض أسئلة الكتاب الذي يصدر عن دار سؤال البيروتية (الحمدي الأعمى الشعري) لإبراهيم سعيد، يقع الكتاب في 160 صفحة من القطع المتوسط وتدور أحداثه حول شخصية الحمدي المحورية وهو رجل كفيف في حدود أربعينيات العمر.
هل بإمكاننا أن نقوم بالعكس وبدلاً من أن نقوم بإرشاد العميان، نستسلم نحن ليقوموا هم بإرشادنا إلى الطريق؟
الكتاب محاولة لاقتراح إجابات ممكنة على عدة أسئلة محيرة تحيّر طلاب العلم في حلقة الشيخ الأعمى الذي يجيبهم بحكاية عن الأعمى الذي يخرج من بلدته غاضباً ويدخل بإرادته المتاهة التي تتحول لمتاهة مضاعفة.. فهل سيدل الأعمى الطريق؟
في نفس الوقت الذي يقوم العمل فيه بمحاولة الإجابة يقوم أيضاً باستثارة وإنارة أسئلة جديدة كامنة بين الظلام والنور. عن الحياة وعن الذات، تتخللها صور ولمحات اجتماعية سبكت في شبكة سردية، بين قوالب نصية تتفاعل بين أحداث الحكاية والنص، ويحوي العمل نصوصاً أنجزت خصيصاً للجزء الثاني من المتاهة لتكون بمثابة محطات طاقة!

العمل يسير بين أنماط الكتابة المختلفة بطريقة النص المفتوح دون التمسك بقالب أسلوبي واحد، زينت الغلاف صورة جميلة للفنانة خالصة الرواحية أما تصميم الغلاف فأنجزه الفنان محمد الحبسي..


حلقة من برنامج الشاعر صالح العامري عن كتاب الحمدي ونصّان من الكتاب:

الجمعة، 31 يناير 2014

نعومة الرماد

نعومة الرماد

جمعت لحم جسدي من قمم الجبال، من مناقير الكواسر، من الأنصال المسمومة للخناجر، من أسنّة الأشواك الشجرية، لممته من بين أنياب الضواري البرية والبحرية، من أفكاك الذر والحشرات، ومن أفواه الديدان.

وضعت أشلائي في قفير سعف أخضر، غنيت له في الليل أغنية طفل في مهد، وجففته في النهار على حبال الرمال الشرقية: كثياب الراحلين المغسولة.

أحتضنه بحنان حارّ قبل أن أضعه ذات عصر على خشب المحرقة، جمعت الرماد عند الغروب في جرة وحملتها معي..
كلما أحببت مكاناً نثرت بعض رمادي في نهره، وكلما أحزنني زمان نثرته في بحره..

هكذا نثرت في الهواء، في نهارات التراب العادية، في أيام المطر، في نيران السهرات الليلية العميقة الكثير من رمادي.

وهكذا تبددت، عدت للعناصر الأربعة، متقدماً للضفة الأخرى، وحين يأتي الموت لن يجد إلا جرةً خاوية..

الخميس، 2 يناير 2014

طرق القراءة المعاصرة بين دريدا وإدوارد سعيد

طرق القراءة المعاصرة: إدوارد سعيد وجاك دريدا




لماذا ينتقد إدوارد سعيد جاك دريدا ولأي سبب تنشب هذه المواجهة وهذا الاختلاف في طريقة القراءة؟ جاك دريدا وهو صاحب نظرية التفكيك الشهيرة عالمياً، وهو الشهير في الأوساط الأكاديمية الأمريكية التي رفعته عالياً حتى اضطرت فرنسا بعد تهميشها لدريدا إلى إعادة قبوله وتعميده وتبنيه، وإدوارد سعيد المختلف عن دريدا بأنه صاحب الاستشراق الشهير والقارئ الناقد المعاصر المواكب للحظة العالم، من الضروري أن نتبين هذا الاختلاف بين الرجلين وكلاهما قارئ ويعمل على القراءة، لكنّ لكل منهما منهجاً مختلفاً في الجذر واللب والثمرة، كما يوضح لنا الاقتباس اللاحق. يقول إدوارد سعيد في كتابه ( الأنسنة والديمقراطية ترجمة فواز طرابلسي(إن تفادي هذه العملية - القراءة المقربة ـ في تحمل المسؤولية الرفاقية النهائية عما يقرأه المرء هو ما يفسر في اعتقادي القيود المعطلة الكامنة في منوعات القراءة التفكيكية على طريقة دريدا، وهي قراءات تنتهي مثلما بدأت في اللاقرار واللايقين.
ينتقد إدوارد في القراءة التفكيكية على طريقة دريدا انعدام النتائج حيث تنتهي القراءة في موضع اللاقرار واللايقين، متفادية تحمل المسؤولية النهائية عما يقرأه المرء، وفي نفس الوقت مبرزة القيود التي تعطلها وتكمن فيها، إن التفكيكية كمنهج في القراءة ينتج قراءة تحتاج نفسها إلى إعادة قراءة، إصبع إدوارد سعيد يشير إلى معضلة القيود والنتائج في ( منوعات) التفكيكية.

2.

مترجم كتاب جاك دريدا ( أحادية الآخر اللغوية) للعربية الدكتور عمر مهيبل، له رأي يمكن أن يكون أكثر إيضاحاً لفكرة إدوارد سعيد التي نتناولها هنا حيث يقول حول لغة دريدا أنها ( اللغة الباحثة عن انسجامها داخل غرائبية لفظية متعبة، مرهقة تكاد أن تجعل من الإنسان رمزاً ضمن قائمة مرموزاتها الكثيرة)، أما فعل كتابة تلك اللغة فـ ( الكتابة الغرائبية عند جاك دريدا التي لا هم لها سوى البحث في انسجامها الأفقي الشكلاني، وإن لجهة المضامين التأويلية والأنطولوجية الكامنة في أعماقها الراكدة)، كتابة همها هو الانسجام الأفقي الشكلاني، الخارج من المضامين التأويلية ولنلاحظ هنا الصفة التشخيصية ( الكامنة في أعماقها الراكدة) إنها نفس الأعماق الراكدة التي وصفها إدوارد سعيد بالقيود المعطلة، هكذا لأن جاك دريدا نفسه تائه، يكمل عمر مهيبل ( تاه دريدا في زواريب المعنى والدلالة لأنهُ اعتقد، في لحظة ما، أنه يملك القدرة على إحداث معنى ودلالة من خارج المعنى الممكن بل من خارج اللغة). هذا هو رأي مترجم شجاع لهُ هدف معرفي أسمى من ترويج كتابٍ على حساب القارئ حتى لو لم يقرأه، وهو بالطبع لا يتطابق مع مترجمي دريدا الآخرين الذين لا تخلو مقدماتهم من محاولة خلق الإطار التنظيري لجاك دريدا وللتفكيكية وللاخـ (ت) ـلاف.
والمقدمة التي كتبها عمر مهيبل لأحادية الآخر اللغوية كافية في حد ذاتها للتعرف على هذا العمل المضني الذي يبذله القارئ الأول من أجل الإلمام بتلك التعريجات الملتفة والملتوية لأسلوب جاك دريدا، فعل قراءة الـ (قراءة) المنهك المتعب، يوضح عمر مهيبل رأيه في جاك دريدا مستعيناً بترجمته من قبل لكتاب جان غراندان الذي يذكر أن دريدا يعرف التفكيكية بأنها( أكثر من لغة) و (التفكيك لا شيء بما أنهُ يحيل إلى لا شيء، وكل شيء بما أنه يحيل إلى لا شيء)، ويرى غراندان أن ذلك كله ليس إلا استفزازاً لغوياً سعى دريدا من خلاله للتموقع داخل البنية الثقافية الفرنسية بالرغم من أنهُ كان يمارس فعل التفكير على تخومها.
لا يغفل مهيبل عن اتهام أكثر خطورة في قوله (تساؤل هام آخر وهو علاقة تفكيكية دريدا باليهودية، الأمر الذي كان قد أشار إليه كل من أمبرتو إيكو وعبد الوهاب المسيري.
لقد تبنت تفكيكية دريدا واختلافه فعلاً لم يكن إلا استفزازاً لغوياً على رأي غراندان، والتفكيكية حملت داخلها القيود المعطلة والمياه الراكدة، وفككت الوحدة حتى عجزت عن توحيد تفكيكها نفسه، والاخـ (ت) ـلاف كما ترجمه كاظم جهاد وقع في أحضان ما كان يحاول الاختلاف عليه، والتفكيكية التي اعتقدناها شيئاً ووقعنا في أحابيل إغوائها ردحا لم تكن شيئاً، التفكيك بتعريف دريدا أعلاه مجرد لا شيء يحاول أن يفسر شيئاً، فهل يكون ذلك عجباً في عالم يعتمد إعلامه الاستهلاكي على إثارة اللاشيء بوصفها قمة الإثارة!!

3.

يعيدني نقد إدوارد لدريدا إلى النقد الشهير الذي كان فيلسوف العلم كارل بوبر قد وجهه للفيلسوف يورغن هابرماس حينما انتقد لغته المغلقة مطالباً إياه بلغة أكثر بساطة ووضوحاً، فكارل بوبر اليهودي البريطاني وإدوارد سعيد الفلسطيني الأمريكي يتفقان على لغة الكتابة التي يسميها سعيد بفعل المقاومة (ما هي اللغة التي يجب استخدامها في المقاومة؟ أما جوابي فهو ببساطة الدعوة إلى تفادي الرطانة القابلة لتنفير جمهور واسع مستطاع كسبه)
على أن نقد إدوارد سعيد لدريدا لا يغفل عن استخراج فائدة من تلك الإثارة الدريدية: ( لا شك أن استخراج المراوحة والتردد من كل أنواع الكتابة مفيد إلى هذا القدر أو ذاك، مثلما هو مفيد أن نتبين مع فوكو أن المعرفة إنما تخدم السلطة في نهاية المطاف)، لكن ما هي نتائج ذلك على القراءة الفعلية الممارسة من قبل القراء، ماذا عن شعبية القراءة كفعل ونحن نرى ونسمع حالة إغلاق المكتبات وقلة القراء؟، يكمل إدوارد سعيد أن الطريقتين الفوكوية والدريدية في القراءة تؤجلان إعلانا هاماً لصالح القراءة: (على أن كل البديلين يؤجلان إلى أمدٍ طويل إعلان أن القراءة ربما تكون أساساً فعل تحرر وتنوير إنسانيين، ربما كان إعلاناً متواضعاً غير أنهُ يعزز معرفة المرء لأغراض غير الاختزال والعدمية والحياد المجدب) 
القراءة فعل تحرر وتنوير إنسانيين، طريقة وطريق للوصول إلى الغاية المعرفية التنويرية والتحررية بالتالي، القراءة هي الحرز السري والذي يجب تفعيله للحفاظ على الحياة من جيوش السلطات التي تهاجم الفكر؛ محاولة حازمة ومصممة بأهدافها الحيوية حفاظاً على حياة الجمال في الأرض.

4. 
قراءة الواقع الفكري المعاصر وإعلان الحرب:
(إن ما يجري الآن في مجتمعنا ـوينطبق معه على معظم العالم ـ هو هجوم على الفكر ذاته ناهيك عن الديمقراطية والبيئة والمساواة تشنهُ قوى العولمة والقيم النيوليبرالية والجشع الآقتصادي (السوق الحرة) اللاإنسانية ناهيك عن الطمع الاستعماري. إن الفكر الأنسني يجب أن يقدم البدائل المسكوت عنها الآن أو المحجوزة في قنوات الاتصال التي تسيطر عليها شركات كبرى إعلامية.
تنهال علينا صور معلبة للعالم تغتصب الوعي وتكبح النقد الديمقراطي مما يوجب على المثقف الانسني تكريس نشاطه لتخريب وتفكيك عوامل الاستلاب حسب مِلز)
إعلان الحرب الذي يذيعه إدوارد سعيد كتابة يؤكد على أن العالم ممثلا ً في ( العولمة والقوى النيوليبرالية والسوق الجشع والأطماع الاستعمارية) كلها تقودُ جيوشها المالية والإعلامية المدججة بالأفكار البراقة الملمعة السهلة والسريعة وقاعدة (المصلحة) ضد الثقافة الأنسنية، عبر مهاجمة إنتاج وأفكار أفرادها المختلفين عن المجتمع النموذجي، لتحويل العالم إلى مجتمع الصفر المستقر بدلا من واقع الطبيعة التفاعلي؛ موجات سيول هادرة من برمجة العقول والأدمغة المنظمة تنصب على المتعلمين والجهلة لخلق حالة واحدة ووحيدة للحياة، المطلوب من الانسانية العيش كالأميبيا من أجل تضخم رأس المال الذي بدأ ينفجر بذاته ويختنق من فرط بدانته.
ثقافة إعلامية جديدة على صحون هي مغلفات جسدية جميلة لها حضور إعلامي في كل وأي لحظة عبر الإنترنت والتلفزيون والهاتف النقال فضلا عن الصحف والمجلات والكتب ذاتها لتعزف على ناي واحد ووحيد بنغمة واحدة (سي) في بروفات العرض العسكري العالمي، لتزيح أخبار العالم الحقيقية عن أذهان جمهورها العريض الواسع المتنامي باطراد مخيف.
(لا ريب أن الوهم التجريبي الذي هو معيار الإعلام المعاصر في العالم لم يكن مرة بالقوة التي هو عليها اليوم حيث تستدعي المواجهة المباشرة مع الواقع مقداراً من الصعوبة بل المجازفة وتستحق الثناء لهذا السبب بالذات)، ذلك الهجوم العالمي الكاسح بفكره الواحد يستدعي ردات فعل ثقافية فردية يمثلها الآن المثقف الانسني الذي يؤكد خروجه على النمط القهري العام، ويؤكد بقاءه وسط الحرب الفكرية التي تشن على حصون المعرفة التقليدية (الجامعات) ينادي من داخل وخارج الجامعات ضد حملة التنميط والقولبة الإعلامية السطحية للجماهير لفائدة رؤوس الأموال العابرة للفضاء، وهي نفسها الحملة التي تولد مجتمعات مرعوبة تنتظر إعلان الحرب عليها في أي لحظة، فتهرع إلى مواقعها التقليدية وحصونها الدينية القديمة، رافضة التجاور والتقدم منكفئة على نفسها وذاتها وكينونتها معتدةً بأوهام قديمة سرعان ما تهتز نماذجها وتقع في وحل الحيص بيص.

5. 
الأنسنية عند إدوارد سعيد:
يطرحُ إدوارد سعيد في كتابهِ الانسنة والديمقراطية تقريباً للأنسنية يقول فيه: ( الأنسنية هي إلى حد بعيد حركة مقاومة للأفكار المسبقة وهي تعارض كل أنواع الكليشيهات واللغات غير الفاكرة)، الأنسنية بهذه الصفة لغة فاكرة، تبني لغتها على فعل التفكير وليست مجرد كليشيه وشعار أو ماركة لعبارة مسجلة في منتج أيا ما كان ذلك المنتج، أي أن الأنسنية أداة لغوية تميز أضدادها وتقاوم تلك الأضداد بنوع من القراءة الناقدة (الفاكرة)، هذه اللغة تقوم بنقد السائد والسابق المرسل وتقاوم الاستلاب له، وهي تفعيل لدور النقد بوصفه فعل وعي واستيعاب وبناء مختلف. ويقتبس إدوارد من ليو سبيترز قوله: على القارئ الباحث الأنسني أن يعمل انطلاقاً من السطح نحو المركز الحياتي الجواني للعمل الفني؛ وهذا الاقتباس يبين دور هذا الأنسني الناقد والمؤلف الأدبي.
الأنسنية فعل مقاومة ونقد داخلي للمركز، نقد العمل الفني جوانياً، تنتج الأنسنية فكراً له سماتٌ واضحة ( إن الفكر الأنسني يجب أن يقدم البدائل المسكوت عنها الآن أو المحجوزة في قنوات الاتصال التي تسيطر عليها شركات كبرى إعلامية)، تقديم ما تسكت عنه قنوات الاتصال الشعبية والمنتشرة والتي تعمل موظفة لدى الشركات الكبرى لتبث رقاها على الفرد طول العمر، من المهد إلى اللحد؛ الأنسنية تسعى لطرح البديل المسكوت عنه في وسائل الإعلام تلك، وإظهار النسخة المخبأة من الفعل، لإنتاج أنسني يبنى أساساً على هذه الأنسنية بما هي بشرية وإنسانية، يقرأ الخطاب والأفكار السائدة التي تؤثر عليه وعلى عالمه.

6. 
منزل الأنسنية
(المنزل المؤقت للمثقف هو حومة فن متطلب مقاوم غير مساوم لا يمكن للأسف أن ينسحب إليه المرء ويبحث فيه عن حلول. على أنه فقط في حقل النفي الهش ذاك يستطيع المرء حقاً أن يقبض على صعوبة ما لا يمكن اكتناهه، وأن يقدم من ثم على محاولة اكتناهه على الرغم من ذلك). إدوارد سعيد.
حين يعود إدوارد ليتحدث عن المثقف في منزله المؤقت يقوم بإثبات وتد المفارقة القائم في المنزل المثقف، وتد الإشكال بين ما لا يمكن اكتناهه وضرورة الإقدام على اكتناهه؛ هذا المنزل أيضاً هو منزل الفكر الأنسني، الأنسنية التي يستعير لها إدوارد سعيد عبارة بلاكيمور في موضع آخر عن الحداثة( تقنية شغب) ويعيد تعريف واجبها في واجب المفكر بها ( واجب المفكر الانسني في التنوع الداخلي والخارجي وعدم التموقع)
هنا تصير الأنسنية حومة الفن، وهي في ذاتها المنزل المؤقت بوتد مفارقته المستمر؛ ومن جديد يجد المثقف الأنسني نفسه في بقعةٍ مؤقتة يقاوم بفعل الكتابة والقراءة في خضم البحر الإعلامي الزاخر بالكميات الهائلة من المعلومات المنزوعة من سياقاتها، والمعفاة من قرابتها مع الواقع، ليقوم المثقف الأنسني بإعادة إدخالها في الواقع وربطها إلى أوتادها وإعادتها إلى منازلها المفهومة التي يقتضيها السياق الواقعي، لكن مع ثمن باهظ.

7. 
ثمن الأنسنية
(علينا أن نمارس نمط تفكير متفارق paradoxal )حيث doxa تعني الأفكار السائدة) وهو نمط لانطوائه على التشكيك في الحس السليم والمشاعر السامية في آنٍ معاً، يخاطر بأن يظهر في عيون الناس المستقيمين على جانبي المعادلة. إما أنهُ موقف يستلهم الرغبة في صدام البورجوازيين أو أنه موقف اللامبالاة المفرطة تجاه عذابات البشر الأكثر حرماناً في مجتمعنا)
هذا هو الثمن الذي لا بد أن إدوارد سعيد دفعه لقاء مقاومته وعدم انجرافه، ولنلاحظ أنه ثمن مدفوع لطرفين مختلفين هما البورجوازية والطبقة المسحوقة (البشر المعذبين)، أي أنه ثمن مدفوع لطرفي النزاع الأساسي كليهما، على جانبي المعادلة الفاعلة، من الضفتين يبدو المثقف الأنسني ونمط تفكيره المفارق متهماً في ضفة البورجوازية بسخافة الهدف والتنطع، وفي ضفة الآلام باللامبالاة! مفارقة مؤلمة إذ لا جماعة يلجأ إليها المثقف الأنسني تحميه من اتهامات الضفتين، بل يقف وحيداً وعارياً وبمنزل مؤقت..
لكن رغم ذلك الثمن المكلف والمدفوع طوعاً، لأن الدافع الأساسي هو الوعي بما يمثله هذا الفعل في السيرورة العامة للعالم: (النزعة الانسنية هي الوسيلة ولعلها الوعي الذي نتزود به لتوفير ذلك النوع من التحليل التناقضي أو الطباقي بين فضاء الكلمات وبين أصولها وأنماط انتشارها المختلفة في الحيز الفيزيائي والاجتماعي من النص إلى ميدان الاستحواذ والمقاومة إلى البث إلى التأويل والقراءة ومن الخاص إلى العام ومن الصمت إلى الشرح والتعبير. لنعود أدراجنا حيث نلقى صمتنا والغنائية(
الصمت والغنائية هما الترويح الذاتي والملجأ الشخصي والتسلية الأنسنية لهذا الوعي الشقي، وللمفارقة في المنزل المؤقت وفي الواجب المتحرك باستمرار والثمن الباهظ؛ يكتفي الباحث الأنسني بتلك الغنائية وذلك الصمت الذي هو المنزل المؤقت نفسه؛؛ صمت وغنائية هما المنزل الأنسني لكل تلك المكابدة، وفي الصمت والغنائية تعزية وأمل، مبنية على أن الفعل الانسني ليس سقوطاً ولا وهماً

نشرت هذه المقالة في القدس العربي 28/1/10

السبت، 30 نوفمبر 2013

الإمام الأخير



 يغمضُ الإمامُ عينيه خارج السلك، والتحفة، والنهضة، واللؤلؤ الرطب.. خارجَ الكتب.

يغمضُ عينيه كنهاية هدبٍ من عمامةٍ هائلة منسوجة بأيدي العلماء، متروكة لمصيرها خارج منارات المساجد والقباب.

نهاية سطر رمزي، في سطور دخلها آلاف الأشخاص، وخرجوا منها مغمضي الأعين..
ينتهي السطر الرمزي خارج البلاد منفياً من ظلال الضواحي الخضراء.

الحياة التي تنتهي في العام التاسع مقذوفة من الجبل الأخضر مروراً بالربع الخالي لتسكن على ضفاف  الخليج في العام التاسع والخمسين.

تاريخُ سيوفٍ تقرأهُ البنادق على القذائف بعدَ موت الأجساد، تغيرُ عليه طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني لكنهُ ينجو ليسكن في طبعة جوازِ السفر والصور التذكارية والوثائق وكتب التاريخ.

بعد حين يزور الجفاف والخصب، بالتناوب كالعادة، بلد الضواحي والواحات، في البحر تتردد أوزان قصيدة تنتهي أبياتها بالرويِّ المرنان..

خنجرٌ يستكينُ في غمده، وبندقية في جرابها، طقطقة تنهي حشرجة التاريخ، بعد زمن كافٍ يخرجُ من حدود النصر والهزيمة، والمعركة، ليدخل في صلب بلاد المعنى.

أسماءٌ أيتها الدماء، أسماءٌ أيتها الأرواح، أسماء تخرج من عباءتها البيضاء لتسافر في الهواء وتمحيها الأسماء الجديدة.

بعد زمن الحروب والهجرات وجوازات السفر المزدوجة ومجلس جمعة، يذبل وجهٌ في الدمام ببطء..

نبلغُ الدمّام فنبلغُ السقف، تنكسرُ دونهُ الأجنحة وتعود إلى أعشاشها الطينية تحت أغصان الأشجار.

يغمضُ الإمام عينيه أخيراً خارج الوطن، كما أغمض السلطانُ قبله عينيه بعيداً عن الهواء، يغمضان عينيهما بعيداً خارج الزمن، وتعود الأحداثُ العظيمة لتصير صوتاً.. رقماً.. وكلمة.

يغمضُ الإمام عينيه في المنفى على التاريخ وهو يفلتُ من دفتي الكتاب، من السلك، والتحفة، والنهضة، واللؤلؤ الرطب، والمنهج الدراسي.

على الجبل الأخضر كان تفجير الألغام في العام التاسع يذاكرُ درس قذائف العام التاسع والخمسين، الهواء يهبّ مجدداً من البحر البعيد ومن الصحراء البعيدة في نفس الوقت، على بيوت طين لها أساطير الحوادث التاريخية المتردمة.

في النسيان جبلٌ أخضر يرسلُ الناس لمصائرهم، له حكمة الحجارة الخالدة وقوة الباقي على الفاني.

تاريخٌ يلفظ أنفاسهُ في زمن لاهثٍ ومستعجلٍ ثاني أيام العيد، يموتُ الإمام الأخير بين التهاني والتعازي، يدلفُ قبره بهدوء دون أية ضجةٍ، يرقد مودعاً الحياة القديمة بين أيدي الزمن المعاصر.

إطباقة الجفن الأخيرة عمامة متأخرة حفظت نفسها خارج الزمن، انتظرت دقة التوقيت وحين جاء زمنها ولجت فيه.

اكتوبر 2009

الصورة لماير كاكاد  by: Mayur Kakade




الأحد، 17 نوفمبر 2013

بلاد

بلاد
بلادٌ من قلوب، أرضٌ شُقّت أنهارها بالسواعد، وبحرٌ من ماء وتراب نضاحان بالخير العميم، بلاد من قلوب الأرض، تهواها الأفئدة، ومن جريانِ دمها تستمد قلوبنا الدماء؛ ما يضيرها يضير القلوب، وما يبهجها يبهج الروح.
بلاد جيولوجية، زينتها صخرٌ أحفوري، جاء بُناتها فزيّنوها بالاخضرار العالي، فاحتضنتهم؛ تسوءها الشرور وتتبارك فيها الخيرات؛ لها من السماء روحها، ومن البحار والمحيطات جيرتها، ومن الجبال تيجانها المعممة، ومن الاخضرار ثيابٌ دائمة، ومن الوديان طهارات، ومن الرمل فِراش؛ تهَبُ ترابها بسخاءٍ للشمس والقمر، وتنذرنا جميعاً للنور.
ضمائرنا مخلوقة من طينها، وأرواحنا من أنسامها، وأمشاجنا من ماء خيرانها وبِرَكِها، وأذهاننا من صباحاتها، وخلايانا الدموية من شِعابها المرجانية، ومن طحالبِ عيون الجبال، جلودنا من أعشابها البرية، رئاتنا من رملها الذهبي، أكبادنا من حجارتها، ولذلك تعرفُ فينا العناد، أما صمتنا فمن مدرسة صمتِ جبالها الوقورة.
تعلمنا الغناء والموسيقى من طيورها المقيمة والزائرة، والرقص من كائناتها، والركض من حيواناتها البرية، وتعلمنا ركوب البحر من سلاحفها ودلافينها وأسماكها؛ عظمائنا صنعُ أياديها، وهي البلاد التي علمتنا حُب الأرض، كل الأرض، وعلمتنا الانتماء للكوكب، والانتساب للحياة.
بلاد تمدحُ الخير وتربي الأمل وتبثُّ حُب النعمة الطاهرة، وتقديرها واحترامها؛ وبلاد تعرف في أهلها حكمة الإصغاء لما يعلمهُ الدهر للناس، وما توحيهِ الأيام للبشر؛ وكلُّ كبيرٍ منا صغيرٌ أمام أصغر جبالها، وأضيق شطآنها، وكل واسعٍ ضيقٌ أمام أصغر سيوحها وساحاتها، بلاد تلهمنا وتوحي لنا وتعلمنا، بلاد تعلمنا فيها السحر حين اعترتنا رعشة الجمال.
بلاد لها سلطان الأرواح علينا، تستوجبُ منا الإخلاص لا النفاق، وتستحق حب الذات فيها لا بعيداً عنها، هذا ونحن نرتع كلنا في خيراتها لا في خيراتٍ خارجةٍ عنها، ولا زالت شامخةً وثرية بالطاقات العظيمة التي تطلب الإخلاص، وها قد حان أن نتعلم أن الثروة النفطية لا تساوي شيئاً في حساب ثروات الأوطان الكلية إلا كما تساوي فلوس النحاس أمام دنانير الذهب، وهي بلاد تعلمنا بهذه الطريقة درس الثروات، لأن الناس هم ثروة الثروات، نحن أبناء هذا التراب وجواهر أرواحنا أغلى ما فيه.
بلاد كهذه تستحق الإخلاص في الضمائر والأيدي النظيفة، وتستحق الألسن الصادقة والقلوب المؤمنة، تستحق نبذ أخلاق النفاق والكذب، نبذ السوء والفساد،تستحق طهارة الإخلاص وصدقه، تستحق تعاليم الزهد والتواضع المتوارثة منها في جينات الأجيال، تستحق القدم الحافية التي تذرع الأرض.
هذه بلاد تزهر صورها في الضمائر الحية، وتموت في الضمائر المتعفنة الحبيسة في سجون الصدور، بلاد تستحق كل قطرة من عرق الشعب الصادقة؛ بلاد تفدّى بالدماء في الحروب تفدى في السلم بالعرق الناضح في البناء لا في الخراب، في العطاء لا في الكنز، في بث السعادة في الوجوه الحزينة لا في توزيع الشقاء.
بلاد هي قطعةٌ من ذاتي، أراها نوراً في أزمنة الظلام، بلاد لا نستطيع مهما حاولنا جميعاً أن نختصرها في واحدٍ، مهما كان حجم الواحد، لأنها بلاد تزدهر بالتنوع والاختلاف، وتتفاعل بالمركبات الكيميائية.
بلاد مهما بلغت فيها من الصدق تبقى أصدق مني، كلما فتحت فيها عيني صباحاً أرى الشمس تزورها كالعاشقة الحيية، وهي الشمس أم الأرض.
بلاد لجبالها عطور، ولبحارها زهور، ولترابها ثيابٌ من ماء ونبات ولإنسانها أثر فوق الجبال من نور.
بلاد من خرافة وأسطورة لكنهما قائمتان في واقعها اليومي الحي ومشيدان في حيويتها الجياشة، بلاد من جمالٍ وسحر، يتعلم فيها السحرة فن السحر من شكل الجبال؛ بلاد لها غمراتٌ ولها أيدٍ تصعدُ بالخير وتنسف الشر؛ تنطق فيها الآيات، وتتكلم الإشارات، يعرفُ فيها العلماءُ الأقدار المستقبلية بحساب الرمل؛ بلاد كهذه تستحقُّ كأس المحبة المترع، ودماء الإبداع في كل فن ولونٍ وقول ومعرفة.
بلاد النخلة والفلج، بلاد الحوت والسلحفاة والدلفين والسفينة، بلاد الخيل والمهاة والقنفذ وأسماك الربع الخالي، بلاد اللبان والبخور المعتق، بلاد اللغات الأمومية، بلاد النارجيل والموز والليمون، بلاد ماء الورد والكيذا، بلاد النسيج والثياب الملونة، بلاد النحاس والمعادن والذهب، بلاد الكائنات والأشياء منذ زمن غابرٍ قبل أن تصير ملاذنا وبلادنا، بلاد أقدم النباتات على وجه الأرض.
وطن لا نرضى له بأقل مما للأوطان، لأنه بلاد تعلمنا الحُب بكل الطرق، وهو بلاد تستحث أكبر حبنا، أكبر من الحب اللفظي، وأكثر من الحب العملي، تستحث الحُب الروحي كله.
مثل هذا الجمال يستحق أن يخلّص من الأيدي التي تسيء إليه ويطمئن في الأيدي العاشقة المحبة، جمالٌ يستحق أن يتخلص من الطماعين ذوي الروائح الفاسدة وأخلاق النفاق والحسد والجشع، يستحق طهارة الأبدان والأنفس، والأرواح والخطى، يستحق أن يتفاضل الناس فيه بالأعمال والمخابر لا بالأشكال والمظاهر.
بلاد أعرفها من رائحة الهواء، لا من ختم جواز السفر، وليس من مساحة التراب المحسوب بالكيلومترات بل من السنوات الضوئية في المعنى الغائر في الروح والنفس، أرضٌ علمتني أن الأرض كلها بلادي، وأني ابنها، تستحق أن أحلم بها نقية كالماء، صافيةً كالهواء، تهذّبُ الإنسان وتصعد بروحه، تستحق أن تكون وطناً للإنسان يكرمه ولا يضيعه ولا يهينه ولا يضيق عليه ولا يشرده. فأحلم بها بلاداً من قلوب.
بلادٌ كانت لي سُرة الأرض. ومسرتها. أفراحها التي استقيتها، وتعبها الذي أصغيت له، جمالها الذي أكرمتني به، والوجع الذي أخفته عني ولكنني اكتشفته، الروعة التي أسرتني بها، والعلل التي سترتها عني ولكني حدست بها.

ولأجل ذلك، لأجل جمالها وفتنتها، ورعها ورقتها، سلامها العذب وصوتها الدافئ، هي المتحولة من أم لحبيبة لصديقة لبلاد من ملايين البشر، وملايين الكائنات، والأمكنة، والأزمنة، وأشكال الحياة التي لا تتوقف، بل تنضج وتتوالد، لكل ذلك الحسن الحيوي ألف سلام وتحية عذبة وأسعد الأمنيات والآمال المشرقة المضيئة. بالحب.

الاثنين، 21 أكتوبر 2013

التدخين

الصورة لمحمد الحبسي



التدخين



التدخينُ حبوبُ بُنٍّ على جناحِ الفراشة المنطلقةِ نحوَ النارِ الأبدية، التبغُ أرضٌ خصبةُ على مقربةٍ من الشاطئ، الدخانُ سماءُ فنجانِ القهوةِ في ليلٍ شديدِ القسوةِ خاوٍ من الأحاديث: ملجأ بلا أبواب في صحراء تهبُّ رياحها: ملجأ هشٌ وكاف.



شربُ السجائر عند المنعطفِ أو الزاوية شيءٌ من غربةِ الوجود لمن اكتشفَ نفسهُ هنا والآن.


سلوةُ الوحيدِ وسط طغيانِ الثرثرة، سلوتهُ في البحث عن شيءٍ صُلبٍ مفقودٍ في دخانِ جمرة تبغ، سلوةٌ هي فلاحٌ تنغرسُ أقدامهُ في الطين كبحارٍ خاوي الوفاض يفتح ببطء باب بيته، وسلوةٌ هي مركزٌ حدوديٌ مهجور هنا والآن.


من ينفثونَ الدخان في الأماكنِ ويمضون مجردُ تعبيريين عن حرائقهم الداخلية، الدخانُ يتصاعدُ من سيح الأعشاب الجافة في صدورهم.


جماعاتٌ ممن يدمنون السهومَ والنظر، ويهربونَ عنهُ بشهوةِ الثرثرةِ وزرعِ الضحكِ الفاجرِ في بحار الصمم الصموت، أمواجهم القلبية تتشبهُ بالسماء في انتظار المطر، المطرُ رذاذ خفيفٌ ينزلُ على كوكبٍ وحيدٍ في الظلام.


لا أنسى قبلة امرأةٍ مستعجلةٍ لرجلٍ شديد الضجر، ولا أنسى شرفة نباتات في صباحٍ لاذ يَعِدُ بالجمال، بلا ضمانات.


ها أنتم ترونَ أنني أتحدثُ عن قدحِ ولاعات، وعيدان ثقابٍ تشتعلُ في الظلامِ كلّ فينةٍ وأخرى، متعٌ متكسرة، وقاية وحمايات، عن دماء منثورة ولا نمطيين لديهم عبواتُ تبغٍ في مكانٍ ما يتناولونها في اللحظة المناسبةِ وغير المناسبة كي لا تفوتهم اللحظات التي هي ماسٌ كهربائي وسَكينةٌ خداعة، ولعبة أطفال تحت المطر.


غلايين خشبية وأعمدة تبغ اسطوانية تنفضُ رمادها عنها لتحافظ على توقد جمرة الحياة الصغيرة داخل المدخن، اشتعالٌ متكرر أعني محاولات متكررة، ووعدٌ بلحظة تبغٍ أخيرةٍ على سرير الوداع.


في لحظاتٍ خاطفةٍ تعني الكثير، لأن الاتكالَ على المعنى هنا والآن, هنا والآن: تنفسٌ استثنائي، واكسجينٌ مجلوبٌ عبر جمرة تبغٍ لاذكاء شهوة الأحاديث واللقاءات.. الصامتة.


ندخنُ لأن هذه فرصتنا كي نرى زفيرنا محمولاً على بياضِ طائر الدخان، ندخنُ لعبة إنتاج واحتراقٍ مرئي، ندخنُ لأننا نتشبهُ بالطبيعة وهذا ضبابنا وغبارنا، لماذا ندخن؟! لأننا نحترق، وندخن لأننا تنانين بلهاةٍ مقلوبةٍ ومستعارة، ولأننا نظن أنهُ أمرٌ ينفعُ في الحياةِ لأن الحياة بمضاداتها.


التدخين مجسمٌ لحياة الفرد بدءاً من الاشتعالِ الأول إلى المنفضة التي هي مقبرةُ أجساد، ندخنُ إلى أن نرمى كعقب سجائر وندفنَ في التراب، بعدَ اشتعالٍ هوَ العمر.


ندخنُ أخيراً لأننا مهزومونَ سلفاً في معركة البقاء النفعيّ، لكن لصدفة عجيبة ومجهولة داخلنا نجد النصر يخطئ الحسابات ويقف بين أيدينا بعدَ كلّ معركة بقاء، لذلك ربما ندخن!



ماغريت هذا ليس مدوخ 1928م